محمد جمال الدين القاسمي

94

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بينهما نسب . فيرث أحدهما الآخر . فنسخ ذلك في الأنفال فقال : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ الآية . وروى ابن جرير عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر . فأنزل اللّه تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً . يقول : إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوا ، وصية . فهو لهم جائز من ثلث مال الميت . ذلك هو المعروف . وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقول : وَأُولُوا الْأَرْحامِ ، الآية . أقول : على ما ذكر ، تكون الآية محكمة في صدر الإسلام ، منسوخة بعده : وثمة وجه آخر فيها . وهو أنها ناسخة لميراث الحليف بتأويل آخر . وهو ما رواه البخاريّ « 1 » عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ورثة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ . كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه ، للأخوّة التي آخى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بينهم . فلما نزلت وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نسخت : ثم قال : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ . من النصر والرفادة والنصيحة . وقد ذهب الميراث ويوصى له . وقد فهم بعضهم من هذا الأثر أن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل ، وحكم الحلف الماضي أيضا . وأنه لا توارث به . والصحيح ما أسلفناه من ثبوت التوارث بالحلف السابق على نزول الآية في ابتداء الإسلام ، كما حكاه غير واحد من السلف . وكما قال ابن عباس : كان المهاجريّ يرث الأنصاريّ دون ذوي رحمه حتى نسخ ذلك . وقد حاول الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) الجمع بين الروايات المتقدمة ورواية البخاريّ باحتمال أن يكون النسخ وقع مرتين : الأولى - حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة ، فنزلت : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا . فصاروا جميعا يرثون . ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما . واللّه أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 7 - باب وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ . . . الآية .